ذ.محمد بدران ـ بلجيكا.
بعد أربعة أشهر من انطالق عملية ” األرض الموعودة” وما تالها من تحقيقات وعمل وترصد حيرت المحققين وشغلت بال األمنيين ليس فقط بسبب قوة بداهة عناصر عصابة مبهمة ذكية للغاية بل لسرعة تنفيذ جريمتها دون ترك أدنى أثر رغم كل محاوالت المراقبة والتنصت وتتبع خطاها ليل نهار.تمكنت في آخر المطاف فرقة محاربة الجريمة المنظمة اإليطالية ) ديغوس( التابعة لشرطة ميالنو إلى إلقاء القبض على الرؤوس المدبرة لهذا التنظيم اإلجرامي الشبح الذي كان يتاجر في وثائق رسمية وهويات مزورة وهذا ما جعل الفرقة تسمي العملية ب ” األرض الموعودة” ألن أغلب الزبائن كان ينوي االلتحاق بدول شمال أوروبا. عناصر هذا التنظيم لم يكونوا كالعادة من أفراد المافيا اإليطالية الذين يعرفهم الصغير قبل الكبير والمواطن قبل الحاكم ،بل كانا مجرد شخصين عاديين من الجالية المغربية تجمعهما بإيطاليا رخصتا إقامة إحداهما للتجارة والثانية لالستخدام المنزلي ومعرفتهما باألمن لم تتعد السرقة والمقاومة في حاالت طيش وعربدة كباقي الشباب المهاجر أما عملية التفنن في التزوير والتدليس فلم يخطر ببال أحد أنهما قادران على تعويض مكاتب وزارات بطولها وعرضها وإرهاق مسؤولين وكوادر أمنية وسلطات ويعلم هللا أين وصل مستخدموا هذه الهويات والجوازات. أربعة أشهر من التتبع المضني والمراقبة الالصقة يتوصل جهاز الديغوس إلى معرفة الحقيقة الغائبة وتفكيك رموز هذه العصابة المتخفية التي يقودها هذان الشابان المغربيان،بالضبط منذ شهر غشت الماضي وانطالقا من إشاعة بيع وثائق هوية بمحطة حافالت المبونيانو بميالنو مرورا بالتعرف على مختبرين للتزوير والطباعة داخل شقتين متباعدتين إحداها في حي أونكيريا والثانية في حي أسياكو،مختبران صغيران بآلتي إشعاع وطابعات وآلة خياطة وهواتف وحواسيب وما تحتاجه من خواتم وطوابع وتوقيعات مسؤولين وموظفين كبار ،ووثائق ومطبوعات حكومية فارغة بطاقات هوية جديدة وأخرى مزورة أو مسروقة ،شقتان تجمعان أقسام الداخلية اإليطالية،ووظيفة حرة تعتمد على اصطياد الزبائن بمحيط القنصلية المغربية بميالنو حسب التحريات األولية. فحسب مصادر إعالمية إيطالية الفريق كان يشتغل يوميا وينشط أمام هذه القنصلية يبيع ويشتري كل أنواع الوثائق المزورة واضعا الئحة أثمان محددة لكل وثيقة وهذه بعض األمثلة: ـ جواز مغربي: 700 أورو ـ جواز إيطالي: 3500 أورو ـ ورقة إقامة: من350 إلى 500 أورو ـ رخصة السياقة والرمز الضريبي: من250 إلى 350 أورو. وتضيف المصادر أن المزورين كانا يصطادان زبائنهما من داخل أو من خارج القنصلية وكان من حق الزبون أن يعاين جودة المنتوج مباشرة ويقتنع كليا ويقدم على العملية طواعية بعد رؤية ومالمسة نموذج حي للوثيقة التي يحتاجها والتخلص من هول وروع تلك المصيبة،الجميل في كل ذلك هو الثمن المحدد الذي ال يقبل المساومة إلى جانب سرعة الحصول على الورقة الحبيبة في ساعات قليلة من أول لقاء. وبعد ثان لقاء جديد في المقهى المعهود تنتهي الصفقة بارتياح البائع والمشتري يفارق هذا األخير المكان ليطرق عالم أحالمه ويمحو أثره من إيطاليا على الفور،بينما يبحث الثاني كعادته عن زبون أو زبائن طيلة النهار ال يعرف في سبيل ذلك ال الراحة وال السبات،الفرق بينه وبين موظفي القنصلية أن لهؤالء توقيت وعطل ونهاية أسبوع تنسيهم التعب وروتين العمل وأخينا ال يذوق طعم االستراحة في تلك الساحة إال ما سمحت به تلك الساعات القليلة المتبقية من كل ليلة. بالضبط يوم الثالثاء الماضي كانت عناصر الديكوس على المحك وكان عليها أن تنقض على المذنبين ليس فقط للحد من تسريب هكذا وثائق وهويات وجوازات سفر بل لإلسراع بمعرفة أين انتهت وفيما استعملت خاصة ال قدر هللا إن سقطت بيد آثمة أو أخفت بين ظاللها نفوسا تكره العيش والبشر والحجر،فهي قد تكون خطرة لو صادفت نفوسا شريرة كما تكون شمعة مضيئة عطرة لو استضاء بها باحث عن اللقمة الحالل والعيش الكريم في مكان ما من هذا العالم الغريب.في تلك اللحظة المضبوطة كان التدخل ناجعا وأكثر إفادة من قبل ألسباب قد نجهلها نحن ،وكانت عملية االعتقال جد مركزة وبتخطيط رفيع وأمام عيون شهود العيان وعيون الكاميرات المثبتة بجوانب هذا المكان تمكنت العناصر األمنية من ضبط المتهمين متلبسين وهما يسلمان أوراقا ثبوتية مزورة لشاب مغربي لم يمض عن دخوله إلى إيطاليا عدا أسبوعين وأيام قليلة. بعد عملية حجز كل آالت الطباعة وأدوات التزوير والك م الهائل من الوثائق والهويات المسروقة والحواسيب والهواتف الخلوية ووضعها في يد الشرطة العلمية ليتم فحصها والتدقيق في مكوناتها لمحاولة معرفة بقية عناصر المنظمة والمستفيدين من هذه الوثائق المزورة ،على هذا األساس أصدر وكيل عام محكمة ميالنو أمرا بإيداع العنصرين المتورطين السجن في انتظار ما ستؤول إليه مساطر البحث على أكثر من صعيد ،بما في ذلك كل األموال واألمالك واالستثمارات القابلة للتبييض سواء على التراب اإليطالي أو المغربي ويبقى التحقيق مفتوحا على كل االحتماالت بما في ذلك معرفة وتتبع خيوط عناصر أخرى تنتمي إلى نفس التنظيم .